
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |
| ► | مايو 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | |


عصر كل يوم، في غرزتنا المفضلة فوق علواية زقاق المدق المتفرع من شارع الصنادقية المتفرع بدوره من خان الخليلي، وطوال ثلاثين عاما تقريبا، لابد أن نلتقي أنا وصديق عمري مختار حمودة الذي شاء الحظ الحسن أن يكون زميلي في المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وأن يعمل كلانا في البحث الميداني الراصد لما يجري في المجتمع المصري من تحولات انفتاحية كاسحة لكل أعراف وتقاليد وأخلاقيات المجتمع المصري.. كذلك شاء الحظ الحسن أن تكون هذه الغرزة بالذات دون كل الغرز- لشهرتها وسحر موقعها فوق أكتاف حي تجاري زاخر- أحد أهم الميادين الذي يفرز فيها المجتمع المصري مكامن أسراره وظواهره الطبقية ومدى انتعاش حركته الاقتصادية ولقد فهمنا من قعدات روادها ما لم نفهمه من تجولنا الطويل في أعماق الحواري والأحياء العشوائية المغبونة برغم أنني ومختار يسكن كل واحد منا في عشوائية متاخمة لحي كبير مهيب حيث نخادع زملاءنا وأصدقاءنا وسائقي التاكسي حين أزعم أنني أسكن في مصر الجديدة ويزعم مختار أنه يسكن في حي الدقي.
وكان يجب في حقيقة الأمر. عندما يصطدم كلانا بسائق التاكسي أثناء المرواح آخر الليل أن يقول مختار بصراحة إنه يسكن في عزبة الصفيح وأقول إنني أسكن في عزبة العرب، ليكون السائق على بينه من أنه سيخوض مجاهل وعرة. كنا في مقام العينات التي تقوم عليها أبحاثنا، ولكن استغراقنا بولع واستمتاع في شخصية الباحث أتاح لنا فرصة أن نضع أنفسنا في مكانة فوقية للنظر جيدا من خارج الذات، إلا أننا ما لبثنا حتى استمرأنا هذه الوضعية مخدرين بزهو الانتماء- ولو كذبا- للنخبة، فأدمنا لقب الباحث أو الأخصائي الاجتماعي بنفس القدر الذي أدمنا به الجلوس فوق هذه العلواية الساحرة حيث القاهرة كلها من تحتنا طوابق من سحب قاتمة لعلها زفرات كائنات خرافية تحت هديم كوني طال به الأزل ولم ينفد غباره بعد بل هو في ازدياد.. فيما مضى كانت العصاري والأمسيات تمضي فوق العلواية في غاية من الأنس والمودة بين القعدات المتجاورة، نتناقل البهجة والنكتة والغمزة والقفشة والتعميرة الجيدة والأريحية الحشاشية المعطاءة الدافئة.. إلي أن بدأت عايدة زوج صديقي مختار حمودة تحضر قعدتنا كل يوم، ثم تتحول إلي كابوس مرعب يقريف المزاج ويحرق الدم، لا أذكر متى بدأ حضورها على وجه التحديد إذ إنه من فرط طغيانه يبدو قديما جدا.. الكلام في الشغل وفي الشئون العامة تراجع تماما، لم يعد ثمة من حديث بيننا إلا الحرم المصون الست عايدة وما جرى منها بالأمس، لكأنهما عدوان لدودان ينفذان حكما من محكمة كونية عليا بأن يناما معا على سرير واحد ويأكلا من طبق واحد وأن يتكفل هو بجميع النفقات حتى وإن نام على الأرض أو طفح الدم أو طفش من البيت!..
كثيرا ما كنت أتشكك في هول ما يحكيه من وقائع جرت بينهما وتطورت إلي حد التشابك بالأيدي وتبادل أحط الألفاظ وأقبح العبارات أمام العيال والجيران. كنت أعرف أن مختار حمودة موهوب في الحكي ويستطيع أن يؤثر على بأبسط حكاية سيما أنه لا يتحاور إلا بالحكايا وعمره ما عرف المباشرة في لغة الحوار، إن قلت له: ما الذي أخرك عن الموعد؟ يحكي لك حكاية موجزة أي نعم وليس لها أية علاقة بالمواصلات أو بأي مواعيد لكنها لا تخلو من دلالة فإن كنت لماحا استطعت أن تلمح على أطرافها سببا يمكن أن يكون قد عطله عن المجيء في موعده، وحتى إن قلت
بــــــوح علي بـــــوح..أهميـــــــة أن تعيــــــش لتكــــتب ســيرتك الذاتيـة
كنت ولا أزال شديد الإعجاب بالكاتب الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز، كنت شديد الإعجاب به إلي حد كبير جدًا، إلي حد أنني لم أقع تحت تأثيره مطلقًا؛ ذلك أن إعجابي به ـ علي شدته ـ وضعني دائمًا خارج عالمه، فشدة الإعجاب كانت هي نفسها المساحة الفاصلة بيني وبينه بحيث يحلو لي دائمًا أن أراه من خارجه من مسافة عزلتني عن الوقوع في مجاله المغناطيسي وفي نفس الوقت مكنتني من النظر فيه عن كثب، ودراسته بكثير من التجرد الموضوعي. وكان أكثر ما يدهشني بل يروعني هو ذلك التشابه بين عالمي وعالمه؛ لست أقصد العالم القصصي والروائي، إنما أقصد العالم الذي صنع منه قصصه ورواياته. ذلك علي وجه التحديد هو ما كان يشغلني دائمًا كلما قرأت له عملاً جديدًا، تمامًا مثلما كان يحدث معي بالنسبة ليوسف إدريس: من شدة افتتاني بشخوصه وأحداثه ونسيجه الفني أراني قد انجذبت للتفكير في الخلفية الاجتماعية التي ألهمته هذه الشخوص وهذه المنسوجات الفنية الدرامية؛ بمعني أن انبهاري بالفن يقودني إلي البحث في المادة التي صيغ منها هذا الفن العجيب، أو لعله ليس من العجيب، أن هذا ليس هو موقفي مع جميع الكتَّاب الكبار الذين أقرأ لهم بشغف وحميمية وما أكثرهم في جميع أنحاء العالم؛ إنما هذا موقفي مع هذين الكاتبين فحسب. ولم أكن قد شُغلت بمعرفة السبب وراء هذا الموقف؛ فما أن قرأت السيرة الذاتية لجابرييل جارثيا ماركيز التي صدرت مؤخرًا باللغة العربية بعنوان: «أن تعيش لتحكي» حتى انفضَّ السر وعرفت السبب: إنه شدة التشابه بين طفولتي وطفولة كل من ماركيز ويوسف، وهو تشابه يكاد يصل إلي حد التطابق مع طفولة ماركيز علي وجه التحديد.
بادئ ذي بدء يطيب لي التنويه بأنني لست أحاول وضع نفسي في مكانة واحدة مع ماركيز أو مع يوسف إدريس باعتبارهما من كبار الموهوبين المؤثرين في جيلنا والأجيال التالية. لا؛ ليس هذا من طموحاتي علي الإطلاق؛ كل ما في الأمر أنني قد فُتنت بشيء أكبر وأهم من هذا الطموح الساذج الذي لا يراود إلا أشباه الموهوبين.. لقد فتنت بهذا التشابه الكبير بين طفولتي وطفولة جارثيا ماركيز، بهذه الوشائج الكثيرة التي ربطت بين طفل وُلد علي حيز من شواطئ الكاريبي في دولة اسمها كولومبيا في أوائل عشرينيات القرن العشرين، وطفل وُلد علي تخوم فرع من نهر قرية مصرية في أواخر ثلاثينيات نفس القرن.
إن هذا الشيء مبهج حقًا بالنسبة لي، فأنا ابن الفولكلور المصري الذي رسَّخ في وعي طفولتي المبكرة أن لي أختًا تحت الأرض يجب أن أحنو عليها وأترك لها كل لقمة تقع من يدي؛ يبهجني لاشك أن أجد لي قرينًا علي الكاريبي عاش نفس طفولتي وامتلأ بنفس قناعاتي وسبقني إلي عالم القلم لاكتشف أنا بعد حين أنني مثله ابن الخيال الشعبي والسير والملاحم والفولكلور، ومثله مولع بالتفاصيل الدقيقة ويحشدها في أبنية ذات شعب موصولة بالمسكوت عنه من الواقع الإنساني المؤلم والساحر في آن.
مصدر ابتهاجي وفرحي أن ارتحالي الحميم في وقائع السيرة الذاتية لجابرييل جارثيا ماركيز يضيء لي حياتي أنا، ويوثق لي ما سبق أن كتبته من قصص وروايات!! إنني في الواقع أغوص فيها علي صعيد الوقائع الحياتية التي أكاد أزعم أنني أعيها منذ تعلمت النطـــــق، وصعيــــد النتاج الأدبي الذي أزعم بالفعــــل أن كل عمـــل كتبته منه ـ رواية أو حتى أقصــــوصة من نصف صفحة ـ كان تجربة فنية نابعة من تجربة حياتية.
أن تعيش لتحكي: حلم بشَّرتني به جدتي لأمي، وباركته أمي، وسخر منه أبي الشاعر المحبط والسياسي المبتور التجربة. حتى سخريته تلك كنت واعيا لها. إنه يفترض أن جميع خلق الله من عتاة الحاسدين إذا تعلق الأمر بي من أية ناحية! فأبي لو حدثني عن فطنتي أو إشارة إلي ذكائي أمام ناس حتى من أهله تجعله يقرأ في سره عدّية ياسين وآية الكرسي وقل أعوذ برب الفلق، وقد ازدوجت شخصيته في التعامل معي؛ بيني وبينه يمتدح كل أقوالي ويعجب بكل أفعالي، وأمام الناس يتهمني بأنني ولد بايظ وحمار، ولولا أن عمتي رُقية كانت تقول معقِّبة عليه بابتسامة: أيوه اكسر العين عنه شويه، ولولا أنه كان يغمز لها بعينه من تحت لتحت كي تسكت لالتبست شخصيته في نظري. لقد كنت الولد الذي جاءه بعد طول انتظار وأربع زيجات استنفدت نصف قرن من عمره.
دارنا في قرية شباس عمير مركز قلين محافظة كفر الشيخ كانت لعائلة كبيرة ذات شأن كبير، ربُّها أحد كبار موظفي الخاصة الخديوية وعلي وجه التحديد من عمال أفندينا عباس حلمي الثاني. مكونة من طابقين وحافلة بمفروشات كالحة تهرأت بعد موت جدي، كانت مخصصة للضيوف أو للمسافرين وقد ورثها أبي الذي كان أصغر إخوته ففصلها عن الدار الكبيرة التي ورثها أبناء عمومتي وفيهم رجال ونساء أكبر سنًا بكثير من أبي ومع ذلك تُلزمهم الأعراف والتقاليد أن يخاطبوني ـ وعمري آنذاك أربع سنوات ـ قائلين: يا أبي؛ ذلك لأني أعتبر عمًا لهم. علي يسار دارنا تلك دار عبد الرشيد جعفر صانع الحصائر؛ وكنت مفتونًا بعملية صنع الحصائر وأجلس ساعات طويلة أتفرج علي عبد الرشيد جعفر ومساعده مصباح وهما مقعيان فوق عارضة خشبية وأصابعهما تتسابق في تمرير أعواد البردي بين خيوط الدوبارة المشدودة علي الأرض. وكان عبد الرشيد جعفر لطيفًا جدًا ومغرمًا بمشاغبتي لكي أحكي له ما يدور في دارنا، فكنت أحكي لهما أشياء غريبة جدًا ولا يمكن أن تحدث علي الإطلاق، ومن قبيل أن أقارب لنا من بلدة مجاورة جاءونا وفتحنا لهم غرف الطابق الثاني فصعدوا بالركائب وربطوا حميرهم في درابزين السلم لصق البسطة الأخيرة، وكنت أشعر بابتهاج ترتعش منه أعطافي حين أراه ومساعده ينفجران في ضحك صاعق وعميق فتلتوي ملامحهما حتى ليخيل لي أنهما تحولا إلي عفاريت مرحة، فيقشعر بدني؛ لكن وجه عبد الرشيد ينبسط فجأة ويبلع ريقه صائحًا: «وبعدين؟» فأتفكر قليلاً ثم أقول: «وأمي طلعت للضيوف بصينية الأكل وأبويا قال لها هاتي كمان صينية للركايب! وجابت لهم رز معمر وملوخية وعيش غربال!»؛ ويمسح مصباح دموعه هاتفًا: «والحمير غسلت يديها بعد الأكل؟»؛ فأهز رأسي بالإيجاب. ويتصادف أن تكون أمي مقبلة علي دار جعفر لقضاء بعض شأنها فيلفت نظرها الضحك الصاخب فتتوقف ناظرة لي في توجس: «فيه حاجة ولا إيه؟ الولد ده عمل حاجة؟». يقول مصباح: «صدَّع دماغنا من الفشر!»، ويضحك؛ فيعلق الشيخ عبد الرشيد في لطف: «بيحكي لنا عن العزومة اللي عملتوها للحمير بتوع الضيوف! ابنك ده تحفة والله». تأخذني أمي في حضنها، تخشي دائمًا أن تصيبني العين فينكتب عليها القهر مدي الحياة إذ أنني الولد الذي جاء ليفرح أبي في شيخوخته بعد أربع زيجات خاضها بحثًا عن الولد، تفزعها نظرة عبد الرشيد وهو يتحدث عني، فتغيبني في حضنها وتربت علي ظهري بحنان وهي تموء مثل قطة: «تعيش وتحكي يا حبيبي».
يقول جارثيا ماركيز: «من عرفني في سن الرابعة يقولون إنني كنت شاحبًا وشارد الذهن، وإنني ما أن أفتح فمي حتى أقول أشياء مزعجة، لكن قصصي لم تكن سوي مقاطع من الحياة اليومية، وأنا كنت أجعلها أكثر جاذبية بإضافة تفصيلات متخيلة ليلتفت الكبار إلي. كانت محاورات الكبار أمامي ومن حولي أفضل مصادر تخيلاتي، لأنهم كانوا يعتقدون أنني لا أفهمها، أو تلك التي يلغزونها عن قصد حتى لا أفهمها، بينما كنت علي عكس كل هذا: أمتصها كالإسفنج وأعيد تفكيكها قطعة قطعة، وعندما أقصها علي من قصوها من قبل يصابون بالدهشة من تطابق ما كنت أقوله بما كانوا يقصدونه في محاوراتهم».
في مندرتنا في البلد كان أصدقاء أبي يسهرون في أواخر الأربعينيات وجُلُّ حديثهم يدور حول الحرب العالمية الثانية، وعن شائعة إسلام الحاج محمد هتلر الذي يجب أن يؤيده المسلمون وينصروه لعله يخلصنا من ذل الإنجليز. ولكن المندرة ما لبثت حتى شُغلت بمسألة أكبر هي الاختفاء الغامض لشخصية هتلر: أيامها كنت قد صرت قادرًا علي تسلق الكنبة بمفردي دون معاونة من أحد. فإذا وقفت علي الكنبة صار رأسي موازيا لرأس أبي وهو جالس، وقد اعتاد أن يتنازل لي عن رقبته القصيرة فأحيطها بذراعي، فيميل بي إلي الأمام كأنه يريد أن يدلقني في الأرض فأزأطط من البهجة مستشعرًا لذة ملامسة الخطر؛ ثم يتوقف برهة ليستمع إلي سؤال، فيفتنني منظر صلعته من الخلف إذ تبدو كبحيرة من الضوء يحف بها الشعر من ثلاث جهات، يتلقي أبي سؤال عم عبد الفتاح القطان تاجر الأقمشة: «مش جايز يا أحمد أفندي إن اختفاء هتلر ده يكون تكتيك حربي، ولاَّ يعني الأرض انشقت وبلعته؟!». تفكك أبي من ذراعي وتأهب لإجابة رصينة؛ إلا أنني كنت أسبق منه في الرد؛ شوَّحت بذراعي متقمصًا لهجة أبي حين يريد أن يجهز علي موضوع طال بحثه، قلت: «هتلر خلاص انتحر! مات!». نظرة عبد الفتاح القطان التي تجمدت في عينيه من فرط الذهول ماثلة الآن أمامي. أذكر أن تلك النظرة رفعتني عن الكنبة ثم هبطت بي عدة مرات ثم تجمدت فوقي حتى ارتعشت من خوف غامض، وطواني أبي علي ركبتيه كأنه يريد أن يخبئني فيما هو يقرصني في شحمة أذني قرصة خفيفة وهو يردد: «مسحوب من لسانك ليه؟ إيه اللي حشرك في كلام الرجالة؟!». وصاحت أمي من الداخل في نبرة بين الغبطة والرعب: «تعالي هنا يا مقصوف الرقبة!» كلاهما ـ أبي وأمي ـ يخشيان الحسد.
ما يذهلني الآن بعد ما يزيد علي نصف قرن من الزمان هو أنني إلي هذه اللحظة لا أزال أجهل المصدر الذي عرفت منه تلك المعلومة: انتحار هتلر. من المرجح طبعًا أنني سمعت هذه العبارة من شخص ما، ولكن المدهش حقًا أن تبقي العبارة في ذاكرتي الغضة، أن تحتفظ بها الذاكرة كشيء ثمين مفيد كقطعة النقد يربط الطفل غريزيا بينها وبين تحقيق المطالب؛ ويحق لنا أن نتساءل: هل تستطيع ذاكرة طفل في الخامسة من عمره أن تعي مدي ما لقائد ألماني اسمه هتلر من أهمية علي أي مستوي بالنسبة لأهله في قرية في شمال الدلتا؟
أنا أجيب علي هذا السؤال بـ: نعم. فذلك الطفل لم يكن طفلاً في الفراغ، إنما هو طفل وُلد في حجر حرب عالمية ثانية، في قرية من دولة تخضع لاحتلال إنجليزي منذ ما يقرب من سبعين عامًا. فمثلما ينتج الفقر المدقع طفلاً مهلهل الثياب مهزول البدن فالاحتلال والحرب ينتجان طفلاً عجوزًا تنطبع الهموم العامة علي نفسه وذاكرته ولسانه. قريتي في ذلك الحين ـ شباس عمير مركز قلين محافظة كفر الشيخ ـ كانت علي درجة عالية جدًا من الوعي السياسي، نلمسه في خُطَب المساجد التي لا تكف عن التنديد بالاحتلال وجنوده وأذنابه، والشبان من أعضاء حزب الوفد يجعلون من المصاطب ومن دكاكين الخياطة والبقالة منابر سياسية، والجمعيات التعاونية الأهلية لمعاونة الفلاح لا تني تعقد اجتماعات في الأجران لإجراء انتخابات مجالس الإدارة، فتشهد القرية عدة أيام من النشاط حيث كل مرشح يدعو لنفسه بالمقابلات، ويصل حماس الموالين لبعض المرشحين إلي القيام بمسيرة هتافية في شارع داير الناحية؛ وكل ذلك يولد مناقشات، والمناقشات تطرح أفكارًا ومعلومات، واشتباكات ومعارك قد ترتفع فيها النبابيت والفئوس إلا أنها تقف دون القتال إذ لابد أن يظهر من يوقف المتعاركين عند حدهم، فدائمًا أبدًا هناك كبير يوقره الناس ويمتثلون لأوامره. وأجمل أساليب الدعاية حينذاك هي الأزجال التي كان ينظمها لفيف من الشباب الذين يجيدون القراءة والكتابة وعلي رأسهم قمر الدولة الشرنوبي أحد مدرسي مدرســــــة القــــرية، فقــــد لقيت أزجاله شهرة واسعة النطاق لأنها إلي جمال نظمها وسيولة قوافيها كانت تهاجم العمدة المستبد المنتمي لعائلة غير وفدية.
الجالسون في مندرتنا ليلاً أو نهارًا تبلغهم أصداء الاشتباكات وهياج الأصوات في شارع داير الناحية البعيد عن مندرتنا بمقدار طول حارتنا وهي عبارة عن صف من الدور المتقابلة لا يزيد علي ثلاثين دارًا وتقع دارنا في قاعها البعيد كأنها الإدارة المركزية لهذه الدور. ومن حين لآخر يدخل المندرة قادم جديد من أبناء عمومتي أو من أصحابهم؛ عندئذ يتجه إليه الجالسون سائلين في شغف: «إيه اللي بيحصل برَّه يا فلان علي الزربية؟» ـ والزربية يعني المساحة المتاخمة لحارتنا من شارع داير الناحية ـ فيقول هذا الذي سئل: «ده فلان بيتشاحن مع فلان». وهذا جواب غير شافٍ، ولهذا ما أن يدخل قادم آخر حتى يبادروه قبل أن يجلس: «مين اللي بيتخانق بره يا فلان؟». فيقول ما رآه فعـــــلاً: «ماشـــــفتش حـــــد بيتخـــانق». وهكـــــذا إلي أن أدخـــــل أنا، فأفاجـــــأ بصيحــة «جماهيرية» هائلة تهتف في استقبالي:
ـ «بس! هو ده اللي حيحكي لنا ع اللي حصـــــل من طقــــطق لســــلامو عليكم! اقعد يا خيري! إيه اللي كان بيحصل بره ع الزربية! قول كل حاجة!»
أري في عيني أبي لمحة قلق تكاد ترجوني ألا أتحدث حتى لا أتعرض لحسد الحاسدين من هؤلاء لاسيما أن بعضهم يصف عياله ـ قياسًا علي طلاقتي في الحديث ـ بالنعاج البكماء. وفي نفس الوقت أري في عيني أبي فرحة وانتظارًا لما سوف أحكيه. الواقع أن قوة في الأرض لن تمنعني من الحكي لحظتئذ، فهذا التهليل الشغوف يشعرني بلذة فائقة، هل أحكي ما دار بيني وبين العيال من لعب وخناقات وتمزيق ثياب؟ أم أحكي كيف طاردنا كلاب البلدة كلها بقيادة محمود الأقرع؟ أم كيف ملَّصنا كيزان الذرة من أرض البكاروة وشويناها في ركية نار من حطب سرقناه من دار كحكاية وكدنا نشعل حريقًا؟.. كل هذا ـ علي أهميته بالنسبة لي كواقع يومي ـ لم أعد أهتم به منذ أن اعتدت هتاف القوم في استقبالي لكي أحكي لهم ماذا دار في الخلاء.. لقد أمسيت شديد الانتباه لكل ما يصادفني في الطريق من مرئيات وأحداث. وجاء حين من الدهر نسيت فيه مهمة الانتباه لدرجة أنني كنت أفاجأ كل ليلة بما هو مطلوب مني، إلا أن الصدفة لم تكن تلعثمني؛ إنما كنت ـ دائمًا أبدًا ـ أجد في جعبتي ما أحكيه لهم بالتفصيل وأتلذذ بمنظرهم وهم ينصتون لي في شغف كبير كأنني من عتاة الوعاظ.
يجب أن أشكر ذلك العبقري الكولومبي جابرييل جارثيا ماركيز علي سيرته الذاتية: «أن تعيش لتحكي»، لأنه بهذه السيرة الذاتية ـ ويا للعجب حقًا ـ قد علَّق علي صدري، صدري أنا، الكثير من الأوسمة؛ هل كان يكتب قصة حياته أم قصة حياتي وهل كان يريد إبراز الشقاء الإنساني في قرية علي شاطئ الكاريبي أم في قرية مصرية علي فرع من فروع النيل الأسمراني؟ إنه لشيء مذهل حقًا أن يكتشف الإنسان لنفسه توأم لم تلده أمه ولم يضع أبوه بذرته، وأن رباط التوأمة الإنسانية أعمق وأشد وثاقة من توأمة الرحم. إن التجربة الإنسانية الحقة حين تعبُر نفسًا صافية تصبح الرحم الأعظم، أعمق وأنفع للبشري
1
الشهادة لله الست أم تامر جارتي من ثلاثين سنة ما شفت منها غير المعروف، والأدب والكمال، زوجها يرحمه الله كان موظفا كبيرا وغنيا، قبل أن يموت ساب لها أموالا كثيرة في البنك تكفيها وولديها مدى الحياة، ولداها توأم تامر وسمير، الاثنان في الأكاديمية البحرية، الولية أمهما طيبة القلب ونفسها سمحة وليلها ونهارها صلاة ودعاء، من شدة حبها لولديها أحبت كل أصدقائهما وكانت تعطف عليهم أكثر من أمهاتهم ولا تبخل عليهم بأي فلوس، عيبها الوحيد أنها لم تكن تستطيع السيطرة على الولدين، يلوف عليهما ولد اسمه شاهر زميل لهما في الأكاديمية كنت أراه عندها كل يوم، في ساعات كثيرة أكون واقفة في فتحة باب شقتي أتكلم مع اللبان أو الزبال فأراه يجيء وحده في غيبة الولدين فينقر على الباب فتفتح له الولية فيدخل، الدار أمان، سوف تغديه وتسقيه الشاي وتتركه يتحرك في الشقة بحريته كابن لها، كنا نزعل منها لسبب وحيد أن الشبان الثلاثة ينصبون السهرة كأنهم في محل كباريه، صبيان وبنات كثار، يسكرون ويدخنون البانجو ويرقصون علي أنغام شرائط يديرونها في جهاز التسجيل ويرفعون صوته على الآخر وهات يا صويت ودبدبة تهز الجدران وتنكد علينا طول الليل، لكننا كنا في النهاية نعذرها لأنها ليست تقدر عليهم، وكنت والله متأكدة أن هذا الجنون لن يمر على خير، وفعلا ما حسبته لقيته.
2
مثلما قال أخي تامر لحضرتكم نحن تعرفنا على بعضنا في مدرسة المعادي الثانوية بنين، أخي تامر هو الذي تعرف عليه في الأول وعزمه في بيتنا على الغداء ومن يومها وهو يعزم نفسه كل يوم والثاني، أمي قدرت أنه ابنها الثالث فعطفت عليه أكثر من اللازم، أصله ابن ناس طيبين ومحترمين أبوه أستاذ ورئيس قسم في كلية الطب جامعة القاهرة وهو كذلك طبيب مشهور له عيادة في وسط البلد، وأمه وكيلة وزارة في هيئة التأمين والمعاشات، لكنهما منفصلان كل منهما في حاله، الولد شا
يبدو لي أحيانا كأنما الطبيعة تخطئ في فهمنا فتدفعنا في طريق غير الذي خلقنا من أجله، ليس هذا فحسب فقد تدفعنا في طريق نقيض أيضا. ورغم أننا نذهب في هذا الطريق ربما أبعد مما اختطته لنا الطبيعة فإنه يظل هذا الخطأ دائما كسر تميزنا كبشر، كندبة في جبين شجّه حجر طائش.
وجه عم خيري المتجهم أحيانا كرجل أدب يبدو أحيانا كما لو كان قناعا لإخفاء خطأ الطبيعة. الوجه المتجهم لأديب يبحث في مكتبته عن كتاب قديم قرر أن يعيد قراءته للمرة العاشرة يخفي وجها مرحا لمهرج كان ليفضل أن يتشقلب بين الكتب أو أن يسير بعجلة ثلاثية فوق مكتبات العالم. وجهه يذكرني دائما ـ خصوصا بشعره المهوش دائما ـ بوجه مهرج حبيب لجيلي كنا ننتظره دائما أيام الجمع في البرنامج الثمانيني الشهير سينما الأطفال، مهرج عجوز وطيب القلب يدعى "فرديناند" كان يسكن كرفانا ويصادق الأطفال اللذين كانوا في مثل عمرنا، ورغم أني أذكر أنه تقريبا كان صامتا طول الوقت.. أو ربما لأنه كان صامتا طول الوقت فإن ابتسامته أكثر من أي شيء آخر ظل مطبوعا في ذاكرتي كتطمين دائم بأن العالم ـ الذي كنا لم نعرفه بعد ـ طيب كأمهاتنا.
وجه عم خيري المتجهم أحيانا كرجل أدب يخفي خلفه هذا المهرج الطيب.
وهو لابد ـ حين يخفيه ـ لا يحسن إخفاءه، فما إذا سر كل هذه الجاذبية التي يصنعها هذا الوجه لأطفال أبنائه، لا زلت لا أعرف لماذا لا يخافونه أحفاده، لا يتوقعون منه شرا حتى وإن بدا غاضبا، تنسحب حفيدته سلمى ـ بعاميها فحسب ـ من اللمّة ـ لمتنا ـ فجأة إلى مكتبه قائلة له: يا خيري، كأنما تنادي زميلا لها في حضانتها في الوقت الذي لا تسمي أحد منا إلا بلقبه. لماذا لا يخافونه الأطفال بينما قد نخافه نحن المستسلمون لوجهه المتقنع به؟ هم ـ ربما كأحباب الله ـ يرون ـ في الوجه ـ ما لا نراه. يرون الوجه المرح لمهرج يسكن كرفانا ويصادق الأطفال ويصنع لهم شطائر لذيذة.
أفكر أحيانا فيما إذا كان الشبه بين وجهه وبين وجه عبد الله فرغلي كبيرا حقا أم لا؟ وفيما إذا كان قد ضل طريقه للأدب بينما كان يُفترض له أن يكون ممثلا كوميديا من طراز فريد كفؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولي؟ ولكن أكثر شعبية كعبد الله فرغلي. أدخل يا جابر.. يا حضرة الناظر أنا جاي أقولك.. ولخمس دقائق لا نرى جابر ولكننا نوشك على الموت ضحكا لهذا الذي يأتينا صوته الساح
فاجأتني امرأتي بأنها حامل في شهرها الثالث فكانت النكتة حراقة جدا، فأنا تجاوزت الستين من العمر وهي تجاوزت الخمسين، والحياة صعبة، والأنكت أن ابنتي هي الأخرى كانت حاملا قبل أمها. انتابتنا هيستيريا الضحك المؤلم ونحن نطرق باب الطبيب الذي دلنا عليه أولاد الحلال في همس مرعوش بأنه الوحيد في القاهرة كلها الذي يقبل القيام بإجراء عمليات الإجهاض سرا في عيادته في وسط المدينة نظير مبلغ ثقيل يجب أن ندفعه ونحن نقول سبحان الله والحمد لله.
الضحك الذي كان مؤلما صار مبهجا بمجرد رؤيتي وجه الطبيب وقد أدهشني أنني لم أتعرف عليه من اسمه بل لم يخطر ببالي أنه هو برغم أنني قرأت اللافتة فوق شرفة عيادته في الشارع العمومي مئات المرات دون أن أربط بينه وبين بلدياتي وزميل دراستي الثانوية وشريكي في المسكن في مدينة دمنهور طوال خمس سنوات مصطفي السعيد جابر.
كل دلائل الرجولة ـ حسب فهمنا آنذاك ـ كانت أوسمة علي صدره. كنا أربعة من بلدة واحدة في سنة دراسية واحدة في مدرسة دمنهور الثانوية نسكن معا في غرفة واحدة فوق سطح بيت عتيق في شارع السوس، كان ـ مثلما هو الآن ـ طويلا لكنه كان ممتلئ الجسم، يتميز بشارب كثيف أشقر جميل على وجه وسيم حاد الملامح مزموم الشفتين، وشعر غزير ممدود علي الجبين في تكويرة شكري سرحان الشهيرة، جسم رياضي، صدر عريض ممدود، خصر ناحل عند الحزام يعطي نصفه الأعلى شكل الكأس، ساعدان مفتولان في حبال مضفورة من العضلات، مشية رجولية منضبطة، سلمنا له نحن الثلاثة الزملاء بزعامة الفتوة، بإيحاء منا صار زعيما علي جميع التلاميذ الوافدين من القرى. هو أيضا بات واثقا من نفسه إلي حد اللامبالاة التي عرف هو كيف يرسمها بإتقان. كان بارعا في لفت نظر الفتيات إليه بحركات أو نظرات تبدو عفوية حتى إذا ما ضمن أن هذه البنت أو تلك قد بدأت تهتم به ـ على الأقل لتعرف ماذا هو وماذا يريد منها ـ انشغل عنها بحرفنة شبه شريرة كأن كل همه في الحياة أن يثبت لها، وبشكل عفوي أيضا، أنه لا شيء يشغله في الحياة سوى الجد والاجتهاد ليبقى دائما متفوقا في الدرجات في الألعاب الرياضية في جمعيات الخطابة والتمثيل وفي تحقيق مراكز متقدمة في النجاح آخر العام، أحيط بهالة أسطورية تنسج حوله عشرات الحكايات عن غرامياته النشطة مع فتيات الثانوية والزراعية والتجارية وحتى الابتدائية، وكلما خمدت هذه الأساطير يغذيها بمناظر تخدمه فيها الظروف، كأن يتدخل في لحظة مناسبة ليدفع العدوان عن قناة بعينها، أو تقديم العون لأخرى من قبيل واجب النخوة والشهامة، أو يكون واقفا بين رهط من الزملاء فتجيء فتاة لتشكره على خدمة قدمها لها فيتمهل في رد الشكر حتى يراه الكثير من الزملاء ليدهشهم بـ«تقله» واعتزازه بكبريائه الرجولي. وبرغم يقيني بأنه لم ير امرأة عار
خيري شلبي : مؤرّخ طبقة المهمّشين
حاوره/ محمد شعير
الشاب المعدم الذي ارتمى في حضيض القاهرة، صار أبرز روائيي جيله. «العم» خيري يحلم اليوم بكتابة جديدة، قائمة على البساطة والتكثيف. بعد صدور «صحراء المماليك»، عودة إلى الأديب الغزير الذي يحتفل بعيده السبعين
«إحساس الكبر لا يلائمني»، بهذا أجاب الروائي المصري خيري شلبي (1938) عن سؤال «كيف تشعر وقد بلغت السبعين؟». صاحب «وكالة عطية» لا يصدّق أنّه بلغ هذه السنّ، يقول: «روحي ما زالت شابة، وإن كانت المتاعب الصحية المتكررة ترغمني على الاعتراف بالكبر».
يرى خيري شلبي نفسه حالياً في «استراحة موقتة» بعدما فرغ من «صحراء المماليك»، أحدث رواياته عن «دار الشروق» التي أصدرت أيضاً طبعةً جديدةً من ثلاثيّته الشهيرة «الأمالي».
صورتان تظهران في مواجهة المكتب الذي يجلس عليه في منزله. الأولى ليحيى حقي والثانية لنجيب محفوظ. الأول «هو والدي الروحي»، يقول «العم خيري» كما نناديه. «حقّي من أكثر الرواد تأثيراً فيّ معرفياً ولغوياً، وأسلوبياً، وأيضاً من خلال الروح المصرية الحقيقيّة التي أنعشها في أبناء جيلي». ويضيف: «أما محفوظ، فهو مؤسس فنّ الرواية في الثقافة العربية ورائد التكنيك الروائي. أعدّهما «تميمة». عندما يصيبني الإحباط، أرفع رأسي فتقع عيناي عليهما، فاستمد منهما طاقة معنوية وقدرة على المقاومة، لأنّني أتذكر ما قدّماه لحياتنا الثقافية. وإن استمر إحباطي، أعود إلى أشعار فؤاد حداد، فهو كشاعر يملأك قدرةً على المقاومة».
ليس غريباً أن يتحدث شلبي عن حقّي وحداد بهذه الحماسة… لكنّ محفوظ ماذا جاء يفعل هنا؟ فكاتبنا السبعيني، يمتلك مشروعاً يكاد يكون مخالفاً لمشروع عميد الرواية العربية الذي يعدّه النقاد «مؤرّخ الطبقة الوسطى في الرواية المصرية»… شلبي هو «مؤرّخ طبقة المهمّشين». يجيب: «لولا نجيب محفوظ، ما كنت أنا ولا كان أبناء جيلي. محفوظ افتتح ملعباً، ودرّبنا على اللعب فيه. وإذا بكلّ منّا يلعب على طريقته الخاصة… قد تكون تجربته مختلفة عنّي لأنّ تكويني الثقافي الاجتماعي والثقافي مختلف عن تكوينه. عالمه عالم الحارة المصرية التي أصبحت معادلاً موضوعياً لمصر كلّها. بينما أنا ابن القرية، صاحب تجربة تشرّد وشقاء. عالمي مختلف حتى عن أبناء جيلي. ولعل محفوظ نفسه أنصفني عندما سُئل عن سبب عدم كتابته عن القرية، فأجاب: «كيف أكتب عن القرية ولدينا خيري شلبي؟». حتى القرية التي أكتب عنها مختلفة عن تلك التي قدّمها يوسف إدريس والشرقاوي. هما قدّما ا
عرق على الورق
سيرة واحد من نبلاء مصر
بقلم: خيري شلبي
ذات يوم بعيد كان الطفل ذو البشرة البيضاء المحمرة والعينين الزرقاوين يقف على رخامة عتبة الباب المؤدي إلىبهو الاستقبال في قصر جده بضيعته في قرية القضابة مركز بسيون محافظة الغربية حينما رأى عربة سوداء تتوقف أمام قصرهم ويهبط منها رجل عملاق مهيب وامرأة مهيبة محترمة، اتجها إلى بهو الاستقبال مباشرة وسط حفاوة الخدم، ولكن المرأة رمقت الطفل بنظرة متفحصة وقالت للرجل فيما تشير إلى الطفل:
ـ يا سعد باشا هذا ابن الإنجليزية!
كان ذلك الرجل العملاق هو سعد باشا زغلول زعيم الأمة، وكانت تلك المرأة هي زوجه صفية هانم زغلول، أما ذلك الطفل فكان الطبيب الأديب المناضل السياسي شريف حتاتة.
لم يكن الطفل شريف حتاتة يعرف من هو سعد زغلول آنذاك وإن كان قد عرف بعد قليل أنه يمت بصلة قربى لجدته أم أبيه وأنه إلى ذلك من أصدقاء العائلة، ثم إنه فوق ذلك زعيم الأمة. ولكن ملاحظة السيدة صفية زغلول تلك وإشارتها إليه على ذلك النحو بأنه ابن الإنجليزية كانت في لا وعيه كإشارة إلى أنه ـ لا شك ـ أعجوبة من الأعاجيب، غير أن عبارة: سعد باشا هذا هو ابن الإنجليزية صارت إشكالية نفسية حينما ذهب الطفل يستوضح معناها من جدته فإذا هي تصمت لحظة قبل أن تجيب: إنها تعني أن أمك جاءت من بلاد الإنجليز. ألقى هذا الرد ظلاً قاتماً على نفسيته فعكر صفاءها وغرس فيها شعوراً كريهاً بالتفرقة، حيث قد استشعر من عبارة جدته كأن أمه سبة في جبين العائلة، وحينما أصبح الطفل شاباً والتحق بكلية الطب وغمرته موجة من الكراهية للإنجليز يضخها الطلاب والأساتذة في مظاهرات تصف الإنجليز بالكلاب وتطالبهم بالرحيل عن البلاد، بدأ الشاب الممحون بالنسب الإنجليزي يدرك مدى حرج موقفه كطالب من المفترض أنه مصري ووطني مثلهم جميعاً.
يا لها من محنة عاشها ذلك الشاب رغم أنه كان في بلهنية من العيش تنحني له الرؤوس عندما يمر في حواري القرية.. "عشت طوال السنين على أكف الراحة، ولكن شيئاً ما كان ينقصني، وحزن غامض كان يزحف عليّ، هل هو غياب العواطف، والدفء والائتناس بصحبة الأصحاب أم شيء أبعد من ذلك؟ أهو غياب الجذور الضاربة في مكان ما من أرض الأسلاف أو الهوية؟ أو الانتماء؟ وما هي هذه الأشياء؟ هل هي ضرورية؟ ولماذا؟ كلمة الهوية، أو الانتماء هذه، ماذا تعني؟ ألم يوجد أناس أعطوا الكثير دون أن تكون لهم جذور ثابتة في أحد الأوطان؟ نشأت منذ البداية أعاني الوحدة، وأعاني الاغتراب وربما هذه الحقيقة تفسر الكثير مما جري لي فيما بعد".
هذه التساؤلات المضنية، التي وضعته منذ بواكير الصبا أمام تحديات قاسية خلقت منه ذلك المناضل السياسي والأديب الكبير فضلاً عن الطبيب، تضعنا نحن القراء ـ من ثم ـ أمام شخصية فذة من نبلاء مصر الأبرار، أولئك الذين لم يرثوا النبالة عن أسرة عريقة فيها، ولا اشتروها بأموال من ثروات آبائهم الإقطاعيين أو أثرياء الحرب ومتعهدي توريد الأغذية لمعسكرات الاحتلال، إنما هم صنعوا نبالتهم بأنفسهم، بانتمائهم إلى الإنسانية، واختيارهم موقف الحرية للوطن، وال
دائرة الهموم تضيق حول رقبة الولية أم نوال جارتنا: طلوعها علي المعاش قصم ظهر مرتبها، معاشها اليوم - هي التي كانت كبيرة الممرضات بمستشفي طنطا العام - لا يسدد وصل النور ووصل المياه وأجرة الزبال. زوجها المسكين لائذ بالسعودية، كان تمورجيا في مستشفي جدة العام وطلع علي المعاش هو الآخر فجاء مصر، فصاروا سبعة أفواه مفتوحة ليل نهار: هي، هو، نوال، فايزة، فاتن، مديحة، عماد، ولد بايظ من يومه لم يجد أبا يشكمه ويحسن تربيته فتخرَّج بالعافية من مدرسة الصنايع وتخبط في أشغال كثيرة خائبة وأخيرا صاع وأدمن المخدرات.
أبوه خاف منه ومن مشاكله اليومية فهرب منهم، قال: إن حالتهم صعبانة عليه ولابد أن يعود إلي السعودية في رحاب سيد الخلق ليكافح من جديد خصوصا وبناته الثلاث الكبار صرن عرائس ينتظرن عريسا لا يأتي أبدا، وينتظرن وظيفة بشهاداتهن من كليات التجارة والزراعة والتربية الفنية، مع ذلك فالبنت الصغيرة مديحة لم تتعظ من خيبة أمل الشهادات الجامعية فدخلت كلية الحقوق لتصبح هي الأخرى جامعية، ياما نصحتها أمها بأن تفعل مثلها وتدخل مدرسة الحكيمات لتضمن وظيفة في التمريض لكنها كالأقرع النزهي فكان الله في عون أمها.. آه يا غلبك يا أم نوال! هل أذنبت لكي تقع الدنيا كلها في قرابيزك وحدك؟! و.. رمت بالفستان صارخة، الإبرة بدلاً من أن تدخل في ثقب الزرار إندكت في إبهامها، لحست دمها وصارت تنفخ في موضع الغزة.. زوجها - الله لا يسامحه - لم يرسل لها أي شيء، منذ عامين جاءها جواب منه طمأنها فيه علي نفسه إذ إنه يسترزق من عيادة خاصة يعمل فيها بأكله وشربه وكسوته فإن فاض عليه شيء سيبعث به لهم، ولم يبعث، الله أعلم إن كان حيا أم ميتا لكنه نفد بجلده.
أمسكت بالفستان، جعلت تكمل تخييط الزرار. يا ربي الفستان اللي حيلتها نقره الفأر فتح فيه ثقبا على الكتف، فكرت في الذهاب به إلي الرفّا، الفستان صوف ولا يعوَّض، ولكن من أين لها بأجرة الرفا؟.. منه لله ابن بطنها عماد، ليتها قعدت فوقه فطسته يوم ولادته!. كل ما يصلح للبيع في البيت باعه، لم تعد هي قادرة علي إيقافه عند حده، ألم يضربها يوما بالحذاء؟! هذا البليد الحسّ يلوف علي خمسة من البلطجية المجانين مثله، يفتح لهم بيتها للتحشيش وشم الهيروين وشرب الخمر، من شدة رعبها تطوي بناتها تحت جناحيها وتغلق عليهن باب الحجرة من الداخل حتى الصباح.
يا للحسرة! نقر آخر أوسع في ذيل الفستان؟ وثالث ورابع في الكمين؟
أبو الهول الروائيين المصريين.
الروائي المصري خيري شلبي: صانع ماهر يمزج بين الفلكلور والأسطورة وصراعات الذات
كتب/محمود قرني
إذا كانت الرواية ديوان الحداثة، فلا خوف علي أن الخطاب الروائي اختلف كثيرا عما رسخه النقد السائد، لأن الإبداع لا يحتذي نسقا تنظيريا صارما علي منوال منظم مسبقا، كما أسست النظريات الأولي لجماليات الشكل الروائي، وربما كان الأساس أن إفراغ هذه القوالب النظرية من خارج الأشكال الروائية علي هذه الأنماط المختلفة من الإبداع، كان عائقا ضخما ـ ولا يزال ـ أمام الأشكال المغايرة التي يطرحها الروائيون، قدماء كانوا أم محدثين، إذ لا يعرف حتي الآن مثال نظري واضح للرواية الوثائقية والبيبلوغرافية أو حتي لروائيي العبث والفوضي، بينما مضي علي انتاج بعض هذه الأعمال ما يربو علي الثلاثين عاما.
ومبعث هذا الدفع الأولي هو التراكم الذي يصنعه بنا الموال البهيج، الذي سربه خيري شلبي إلي قارئه هامسا كأنما يمهد لمذبحة، في إطار فوضاه التي لا نستطيع معها إلا أن نؤكد أن كاتبنا يملك انتماء غير مشكوك فيه إلي جيل الرواد الأوائل في التعريب الروائي الذي بدأ بقوة علي يد هيكل وتيمور وطه حسين ونجيب محفوظ، وكثير من كتاب الرواية العربية الحديثة.
خيري شلبي هذا الكائن الملحمي الذي يمثل مجموعة من التراكمات التاريخية، والشخصانية ـ إذا صح التعبير ـ تمثل جل كتاباته تجارب اجتماعية تمثل انعكاسا حميما وفعالا لواقعه الحي المتوهج دائما، في العديد من أعماله الروائية ونموذجها الأبرز روايته موال البيات والنوم .
يدخل كاتبنا إلي مواله المتدفق من دون أدني تحفظ أو استحياء فهو علي امتداده لا يجابه سوي أزمة واحدة، أزمة أن يجد له مكانا يؤويه ليلة وهو القروي الفتي الذي قدم من بلدته الريفية الصغيرة، بعد حصوله علي الشهادة الابتدائية، وهو ملماً بالطموح الذي دفعه إلي الحلم بشغل إحدي الوظائف المرموقة في القاهرة، كحلمه مثلا بأن يشغل وظيفة محرر في إحدي الصحف الكبري.
لم يكن يعرف أن المدينة قاسية وأنها آكلة لعشاقها ومحبيها، هاهو الكاتب الشاب الذي أتي بفطريته الأولي إلي القاهرة يعجز عن الحصول علي مكان يؤويه بل حتي علي ما يسد رمقه فيظل لأيام يبحث عن كسرة، لايجدها في مسكنه الوحيد هو الشارع يظل يدهنه بفرشاة الصباح الابيض علي أن تتآكل جلدة الأفق الرمادية عن ثقوب تتسلل منها خيوط الشمس .
ولم تكن هذه أول مدينة في حياة الراوي، لم تكن أول مدينة تطرده أو تكاد، فهو صاحب حقيبة شهيرة يعرفها كل أدباء الإسكندرية، حقيبة الزهرة الزرقاء انه بائع سريح يعمل لحساب أحد كبار التجار في الإسكندرية يحمل حقيبة تزن خمسين كيلو غراما وهو ثقل يزيد علي وزن الراوي ذاته وفي آخر النهار يجد نفسه فاشلا في أن يبيع ـ حتي ـ بما يقتات به.
وهو سكرتير فاشل للمحامي الشهير الأستاذ حبيب الحبيب الذي يصفه الراوي المحامي الكبير جدا في المنصورة، مهد الحركة الشيوعية المصرية، هو أيضا صحافي لامع يفجر اكبر الفضائح السياسية والقانونية، ولم تغادر رأس الراوي مقولة الأب أن اقتصد في مصر وفي ما أمكن فالقرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود وأن أبحث لنفسي عن طربة قبر تلمني أو قطار يأكلني إذا قدر الله ورسبت في الامتحان .
هذه المحاذير التي ليس لها آخر والتوجسات التي يحملها القروي معه في صرة متواضعة إلي المدينة، إلي المجهول، هي التركة التي يحملها علي ظهره فتظل تطارده اينما حل، هذا هو التفسير الوحيد لبحث الراوي الدائم عن موطن له في جوار باب الحديد، الباب الذي يمكن أن يعيده إلي قريته، حيث أهله وماضيه، يقول خيري شلبي:
ربما كان شعوري بأن باب الحديد هو الباب الذي يمكن أن يعيدني إلي قريتي في أي لحظة، علي رغم أنني أكاد أكون مقيما فيه أعود إليه مساء كل يوم لا محالة، أراني كلما أقبلت في رؤية الأهل والأصدقاء وذكريات الصبا والطفولة .
وما يعفي الراوي من غلطة المأساة وخشونتها هذا الصوت الواحد الذي يمحي في زخم الحركة البشرية المزدحمة والعشوائية التي كانت جزءا لا يتجزأ من واقع الحياة السياسية والاجتماعية، وتسجيلا يعرفه المطلع علي موقف الراوي من حركة القوميين العرب والحركة اليسارية المصرية، إذ يقول علي لسان حلاقه:
رحل الذي نكسنا وجاء الذي سيخوزقنا والمقصود بالأول هو عبدالناصر أما الثاني فهو السادات، والحقيقة أنه علي رغم اختلاف التوجهات السياسية إلا أن هذه المقولة التي وردت علي لسان أحد أبناء









